ابن الجوزي
519
كتاب ذم الهوى
عجائزنا فذكرت أنّ بعض عزّاب أهل المدينة يهواها وأنه يجيء في كل يوم متنكرا ، فيقف بالباب حتى يسمع غناءها ، فراعيت مجيئه ليلة ، فإذا به قد أقبل متقنع الرأس حتى قعد مستخفيا ، فدعوت قيّمة الجارية ، فقلت : انطلقي الساعة فأصلحي هذه الجارية بأحسن ما أمكن ، وعجّلي بها إليّ ، فلما جاءت بها نزلت قابضا على يدها ، وفتحت الباب ، ثم حركت الرجل فانتبه مذعورا ، فقلت : لا بأس عليك خذ بيد هذه الجارية هي لك ، فإذا هممت ببيعها فارددها إليّ . فدهش الفتى ولبط به ، فدنوت إلى أذنه فقلت : ويحك ، قد أظفرك اللّه عز وجل ببغيتك ، فانصرف إلى منزلك ، فإذا الفتى ميت كأن لم يكن ، فلم أر شيئا قط أعجب من ذلك ، وهانت الجارية في عيني ، وكرهت أن أوجّه بها إلى يزيد ، فيعلم حالها ، أو تخبره عن نفسها فيحقد ذلك علي ، فمكثت مديدة ثم ماتت ، ولا أظنها ماتت إلا كمدا وأسفا على الفتى . أنبأنا محمد بن عبد الباقي ، قال أنبأنا علي بن المحسّن التنوخي ، قال : أنبأنا أبو عمر محمد بن العباس بن حيّويه ، قال : أنبأنا أبو بكر محمد بن خلف بن المرزبان ، قال : أنبأنا أحمد بن محمد بن منصور بن سيّار ، قال : أخبرني عبد اللّه بن نصر المروزي ، قال : أخبرني عبد اللّه بن سويد ، عن أبيه ، قال : سمعت علي بن عاصم يقول : قال لي رجل من أهل الكوفة من بعض إخواني : هل لك في عاشق تراه ؟ . فمضيت معه ، فرأيت فتى كأنما نزعت الروح من جسده ، وهو متّزر بإزار مرتد بآخر ، وإذا هو مفكر وفي ساعده وردة ، فذكرنا له بيتا من الشعر فتهيّج وقال : جعلت من وردتها * تميمة في عضدي أشمّها من حبّها * إذا علاني جهدي فمن رأى مثلي فتى * بالحزن أضحى مرتدي أسقمه الحبّ وقد * صار قليل الأود